الشيخ الطوسي

208

تلخيص الشافي

يقتضي من التنفير أكثر مما يعترف خصومنا من المعتزلة : بأن اللّه يجنب أنبياءه عليهم السّلام من القباحة في الخلق ، والدمامة المفرطة ، والصغائر المستخفة وأن لا يجيبهم اللّه تعالى إلى ما يسألونه لأمّتهم من حيث يظهر لهم . فان قيل : ولم زعمتم : أن فيما ذكرتموه تنفيرا ؟ قيل له : لأن خلافة هارون لموسى عليه السّلام إذا كانت منزلة في الدين جليلة ، ودرجة فيه رفيعة ، واقتضت من التعظيم والتبجيل ما يجب بمثلها ، لم يجز أن يخرج عنها ، لأن في خروجه عنها زوال ما كان له في النفوس بها من المنزلة . وفي هذا نهاية التنفير والتأثير في السكون إليه . ومن دفع أن يكون الخروج عن هذه المنزلة منفرا كمن دفع أن يكون سائر ما عددناه منفرا . فان قيل : إذا ثبت - فيما ذكرتموه - أنه منفر ، وجب أن يجنبه هارون من حيث كان نبيا ومؤديا عن اللّه تعالى : لأنه لو لم يكن نبيا : لما أوجب أحدنا أن يجنب المنفرات ، فكان نبوته هي المقتضية لاستمرار خلافته إلى بعد الوفاة . وإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وآله قد استثنى في الخبر النبوة ، وجب أن يخرج معها ما هي مقتضية له وكالسبب فيه . وإذا أخرجت هذه المنزلة مع النبوة ، لم يكن في الخبر دلالة على النص الذي تدعونه . قيل له : ان أردت بقولك : ان الخلافة من مقتضى النبوة : أنه من حيث كان نبيا تجب له هذه المنزلة كما تجب له سائر شرائط النبوة ، فليس الأمر كذلك ، لأنه غير منكر أن يكون هارون قبل استخلاف موسى له شريكا في نبوته وتبليغ شرعه ، وان لم يكن خليفة له على ما سوى ذلك في حياته ولا بعد وفاته . وان أردت أن هارون بعد استخلاف موسى له في حياته يجب أن تستمر حاله ولا يخرج عن هذه المنزلة ، لأن خروجه عنها يقتضي التنفير الذي يمنع نبوة هارون عليه السّلام منه . وأشرت بقولك : إن النبوة تقتضي الخلافة بعد